الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

395

مناهل العرفان في علوم القرآن

ولا يلحظ هذا في معنى الصحف ، وإن كان يصح استعمال كلا اللفظين في كلا المعنيين استعمالا متوسعا فيه . هذا في أصل اللغة ، أما في الاصطلاح فالمراد بالصحف الأوراق المجردة التي جمع فيها القرآن في عهد أبى بكر ، وكانت سورا مرتبة آياتها فقط ؛ كل سورة على حدة ، لكن لم يترتب بعضها إثر بعض . والمراد بالمصحف اصطلاحا الأوراق التي جمع فيها القرآن مع ترتيب آياته وسوره جميعا على الوجه الذي أجمعت عليه الأمة أيام عثمان رضى اللّه عنه . وقد أطلق بعضهم لفظ المصحف على صحف أبى بكر ، وتوجيهه لا يخفى ولقد بقيت الصحف عند أبي بكر حتى حضرته الوفاة فدفعها إلى عمر لأنه وصى له بالعهد ، ولما مات عمر انتقلت إلى ابنته أم المؤمنين حفصة بوصية من عمر ، ثم طلبها عثمان ونسخ المصاحف منها وردها إليها وبقيت عندها حتى توفيت رضى اللّه عنها . وقد حضر جنازتها مروان وإلى المدينة وقتئذ ورغب إلى أخيها عبد اللّه بن عمر أن يبعث إليه بالصحف ، فبعثها إليه ، وكان مروان قد طلبها من السيدة حفصة من قبل فأبت رضى اللّه عنها . أخرج ابن أبي داود في رواية أن مروان أحرق هذه الصحف ؛ وفي رواية أنه غسلها ، وفي رواية أنه شقّقها . ولا مانع من الجمع بين هذه الروايات الثلاث بأنه غسلها أوّلا ، ثم شققها ثانيا ، ثم أحرقها أخيرا ، مبالغة في التكريم والمحو ، كما روى أنه قال : إنما فعلت هذا لأنى خشيت إن طال بالناس زمان أن يرتاب في شأن هذه الصحف مرتاب ، أي يظن أن فيها ما يخالف المصاحف ، فإنها كانت صحفا مثورة ، لا تأخذ شكل المصاحف المجموعة المنظومة . عدد المصاحف اختلفوا في عدد المصاحف التي استنسخها عثمان رضى اللّه عنه ، فصوّب ابن عاشر